الشيخ محمد النهاوندي

395

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قيل : إن الاستغاثة « 1 » بهذا البيان حسنة ولو مع العلم بامتناع الرجوع ؛ لأنه من باب التمنّي « 2 » . ثمّ ردعهم اللّه من هذا القول بقوله : كَلَّا لا رجوع لك إلى الدنيا أبدا ، ثمّ أقنطهم بعد كلمة ارْجِعُونِ بقوله : إِنَّها كَلِمَةٌ ولفظة صرفة لا يعمل بها ، وإنّما هُوَ عند الموت قائِلُها تحسّرا وتندّما وَمِنْ وَرائِهِمْ وخلفهم أو أمامهم بَرْزَخٌ وحاجز بينهم وبين الرجوع وهو الموت ، أو عالم يعذّبون فيه إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 101 ] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 ) ثمّ بيّن سبحانه كيفية ذلك اليوم بقوله : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ النفخة الثانية التي يحيا بها الأموات فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ تفيدهم يَوْمَئِذٍ وتنجيهم من أهواله ، وزال التراحم والتعاطف من قلوبهم وَلا يَتَساءَلُونَ فيما بينهم عنها ، ولا يقول أحد لأحد : أنت ابن من ، وأبو من ، ومن أيّ قبيلة وعشيرة ؟ بل يفرّ المرء من فرط الدهشة والوحشة من أخيه وصاحبته وبنيه . روي أنّ عائشة قالت : يا رسول اللّه ، أما نتعارف يوم القيامة ؟ إنّي أسمع اللّه يقول : فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ثلاثة مواطن تذهل فيها كلّ نفس : حين يرمى إلى كلّ إنسان كتابه ، وعند الموازين ، وعلى جسر جهنّم » « 3 » . في ( روح البيان ) عن الأصمعي ، أنه قال : كنت أطوف بالكعبة في ليلة مقمرة ، فسمعت صوتا حزينا فتبعته ، فإذا أنا بشابّ حسن ظريف متعلّق بأستار الكعبة ، وهو يقول : « نامت العيون ، وغارت النجوم ، وأنت الملك الحيّ القيوم ، قد غلّقت الملوك أبوابها ، وأقامت عليها حرّاسها « 4 » وحجّابها ، وبابك مفتوح للسائلين ، فها أنا سائلك ببابك ، مذنبا فقيرا مسكينا أسيرا ، جئتك « 5 » انتظر رحمتك يا أرحم الراحمين » . ثمّ أنشأ يقول : يا من يجيب دعا المضطرّ في الظّلم * يا كاشف الضّرّ والبلوى مع السّقم قد نام وفدك « 6 » حول البيت قاطبة « 7 » * وأنت وحدك « 8 » يا قيّوم لم تنم أدعوك ربّي ومولاي ومعتمدي « 9 » * فارحم بكائي بحقّ البيت والحرم أنت الغفور فجد لي منك مغفرة * أو اعف عنّي يا ذا الجود والنّعم

--> ( 1 ) . في تفسير الرازي : الاستعانة . ( 2 ) . تفسير الرازي 23 : 120 . ( 3 ) . تفسير الرازي 23 : 122 ، تفسير روح البيان 6 : 107 . ( 4 ) . في المصدر : حرسها . ( 5 ) . في المصدر : جئت . ( 6 ) . في المصدر : وفدي . ( 7 ) . في المصدر : وانتبهوا . ( 8 ) . في المصدر : يا حيّ . ( 9 ) . في المصدر : ومستندي .